مقابلة فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية مع صحيفة الاتحاد اليومية الإماراتية

JPEG

ما الذي سيغيره افتتاح متحف «اللوفر أبوظبي» في العلاقات الإماراتية الفرنسية؟

يمثل افتتاح متحف «اللوفر أبوظبي» نقطة تحول حاسمة ليس فقط في العلاقة بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، وإنما أيضاً في الدور الذي تلعبه دولة الإمارات باعتبارها ملتقى حقيقياً للثقافات في المنطقة.

من خلال اشتراكهما في بناء متحف للحضارة، وترتبط فرنسا والإمارات العربية المتحدة بأكثر ما يميز البشرية على مستوى عالمي، ألا وهي المُثل الإنسانية العُليا. فهنا تتحاور كل الأزمنة وكل الأماكن في وقت يتغذى فيه الإرهاب على الانقسامات بين الشرق والغرب، وأيضاً داخل العالم الإسلامي.

متحف «اللوفر أبوظبي» هو متحف يشيد بالتعددية والحوار بين الثقافات، بينما تسعى بربرية تنظيم «داعش» لفرض رؤية جامدة للهويات والأديان.

أنا على يقين بأن الفنون والثقافة تحمل رسائل ومشاعر عالمية، يجمعها الجمال، ولا يفرقها، جمال يدعونا إلى التواضع والاحترام. وستصبح أبوظبي مكاناً تجتمع فيه المهن والأفكار والمواهب الثقافية أكثر فأكثر، مكاناً يسوده الفكر المتفتح والغني.

من جهة أخرى، أصبحت فرنسا والإمارات العربية المتحدة معاً مناصرتين للتراث العالمي، فقد أسستا معاً وفي سياق مشروع «اللوفر أبوظبي» مؤسسة التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع من أجل حماية التراث المهدد في مناطق النزاع المسلح. وهما الآن يتقاسمان رؤية مشتركة إزاء التراث المشترك للإنسانية، والأهم من ذلك أنهما يتخذان إجراءات ملموسة جداً للدفاع عنه.

كيف ترون العلاقات الفرنسية الإماراتية على المستوى الاقتصادي؟

لطالما اعتبرت فرنسا دولة الإمارات العربية المتحدة شريكاً اقتصادياً استراتيجياً. فمنذ إنشاء الاتحاد في عام 1971، تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة ركيزة لا غنى عنها للاستقرار في الشرق الأوسط، وبوابة مفتوحة على القارة الآسيوية. إن الحيوية الاقتصادية التي تتمتع بها الإمارات، لا سيما دبي، هي أمر رائع حقاً، وهي شاهد على قدرتها على الاستفادة المثلى من نقاط قوتها «مثل الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والشباب، والتاريخ، والنظام المالي». اليوم، تشكل دولة الإمارات اتحاداً عصرياً وحيوياً ومفتوحاً على العالم، على غرار معرض إكسبو دبي الدولي في عام 2020.

لقد تعززت العلاقات الثنائية الممتازة التي حافظت عليها فرنسا مع دولة الإمارات في السنوات الأخيرة. أذكر في هذا السياق، القمة الاقتصادية الفرنسية الإماراتية في التاسع من نوفمبر، حيث يجتمع ما يقارب 400 شركة فرنسية وإماراتية لعرض ومناقشة مسائل تتعلق بالمعرض العالمي.

يتجلى ثراء علاقاتنا الاقتصادية اليوم في مشاريع شراكات وتعاون استثنائية التنوع منها: في مجالات الشركات الناشئة والتكنولوجيا والطاقات المتجددة والطيران وعلوم الفضاء ومكافحة الاحترار العالمي... تمثل علاقاتنا الاقتصادية فرصة جيدة لبلدينا، وسأكون حريصاً على مواصلة تعزيزها، من خلال التعاون المكثف والملموس في مجالات عديدة.

JPEG

الملفات المتأزمة

ما هو النهج الذي تتبناه فرنسا بشأن الملفات المتأزمة في المنطقة «اليمن، ليبيا، سوريا»؟ ما هي سبل الوصول إلى تسوية فيما يخص الأزمة السورية التي لا تزال مشتعلة منذ أكثر من ست سنوات، وتؤثر تداعياتها على البلدان المجاورة، وعلى أوروبا؟

لقد التزمت، بمجرد وصولي إلى قصر الإليزيه، التزاما تاماً بحل الأزمات الإقليمية، وذلك إيماناً مني بأن التصدي لآفة الإرهاب لن يكون فعالاً إلا إذا استعادت المنطقة السلام والاستقرار.

وإنني مقتنع أيضاً بأن أفضل طريقة لحل هذه الأزمات هي التعاون متعدد الأطراف. ذلك لأننا كلما كنّا متحدين كنّا أقوى واستطعنا وضع كل ثقلنا. لا وجود لحل عسكري بالنسبة لجميع النزاعات والتوترات التي يشهدها الشرق الأوسط، فالحوار هو وحده المسار السليم.

وفي سوريا، لا بد من اعتماد المنهجية ذاتها. إن مبادرتي الرامية إلى وضع خارطة طريق سياسية تجسد رؤية الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن والقوى الإقليمية، تهدف هنا مرة أخرى إلى إعادة المجتمع الدولي إلى صميم الحدث. فإن الحل التفاوضي والشامل تحت رعاية الأمم المتحدة، هو وحده الكفيل بتحقيق السلام في سوريا.

بعد هزيمة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا وفي ضوء المشاركة الفرنسية في التحالف الدولي ضد التنظيم، كيف تنظرون لمسألة التهديد الإرهابي؟

في العراق، كما في سوريا، انخرطت فرنسا بشكل كامل في إطار التحالف الدولي في مكافحة الجماعات الإرهابية. إن تنظيم «داعش» يشهد تقلصاً في نطاق الأراضي التي يسيطر عليها.

في العراق، شنت السلطات العراقية وقوات البيشمركة، بدعم من التحالف الدولي، حرباً بلا هوادة ضد تنظيم «داعش»، ما كلف خسائر بشرية كبيرة. وقد تم تحرير الموصل، ولم يبق سوى جيوب قليلة لا تزال المنظمة الإرهابية موجودة فيها. لا تزال العمليات متواصلة، ويفترض أن يُهزم تنظيم «داعش» في شكله الحالي في غضون أسابيع قليلة.

ومع ذلك، يجب ألا يحجب هذا الانتصار العمل الجوهري الذي بات أساسياً اليوم لتدمير جذور الإرهاب تدميراً تاماً. سيظل التهديد قائماً، ولمواجهة ذلك، من الضروري إرساء الأسس لسلام دائم، من خلال احترام الآخرين والشمولية السياسية والتسامح وقبول التنوع الديني والإثني.

أزمة قطر

كيف تنظر فرنسا إلى الأزمة بين قطر والدول المجاورة لها، خصوصاً أن فرنسا تربطها علاقات جيدة مع كل أطراف الأزمة؟

لقد كان توجهي واضحاً وثابتاً على الدوام بخصوص هذه المسألة. أولاً، يجب حل هذه الأزمة عن طريق الحوار بين بلدان المنطقة. إن وحدة واستقرار المنطقة في نظري أساسية، ويجب علينا جميعاً أن نعمل على ذلك.

تؤيد فرنسا الوساطة الكويتية، ولقد أعربت دائماً عن استعدادها لدعمها.

ثانياً، إن مكافحة الإرهاب وتمويله أولوية بالنسبة لي، ومن المهم أن نعمل معاً لمكافحة هذه الآفة. يجب أن يكون الجهد جماعياً، ولقد قررت من هذا المنطلق، تنظيم مؤتمر دولي بشأن تمويل الإرهاب في عام 2018. إنه لمن الضروري في الواقع التفكير في قضية الإرهاب في مجملها والتصدي لجذورها، وأيضاً للتدفقات المالية التي تغذي هذه الجماعات الإرهابية.

وآمل أن تنخرط جميع بلدان المنطقة التي تضررت هي نفسها من جراء هذه الآفة، في إنجاح هذا المؤتمر.

المسألة الليبية

بالنسبة للوضع الراهن في ليبيا، وبعد مرور ست سنوات على إطاحة نظام القذافي، ما هي الرؤية الفرنسية لإحلال الاستقرار في هذا البلد المتوسطي، من ناحية استتباب الأمن فيه والقضاء على الإرهاب؟ كيف يمكن ضمان عدم تحول ليبيا إلى محطة لتدفق الهجرة غير الشرعية إلى جنوب أوروبا عبر البحر المتوسط؟

إن حل الأزمة الليبية هو أولوية بالنسبة لي، وأنا أتابعها منذ بداية ولايتي. وقد مكّن اجتماع «سيل سانت كلاود» الذي جمع في فرنسا بين الطرفين الرئيسين في الأزمة، وهما رئيس الحكومة فايز السراج، والجنرال حفتر، من وضع خارطة طريق طموحة من المفترض أن يعمل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة على تنفيذها.

فيما يتعلق بهذا الملف، تعمل فرنسا بشكل وثيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة لإعادة العملية السياسية إلى مسارها، من خلال دعم وساطة السيد سلامة الذي يقوم في هذا الشأن بعمل رائع. ومن المهم أن تعمل بلدان المنطقة والمجتمع الدولي بأسره في الاتجاه نفسه.

وعلاوة على ذلك، إن مكافحة الإرهاب ومكافحة الهجرة غير المشروعة عنصران أساسيان في حل الأزمة الليبية، لأنهما يزعزعان استقرار ليبيا، بل وأوروبا أيضاً. أما فيما يتعلق بمسألة الهجرة، فلا بد من العمل مع جميع البلدان المعنية، فضلاً عن البلدان المصدرة للمهاجرين وبلدان العبور وبلدان الوصول. ولهذا السبب قمت في 28 أغسطس في باريس بدعوة كل من النيجر والتشاد وليبيا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي لخلق دينامية جماعية، ووضع خطة عمل ملموسة تهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية.

السلام الفلسطيني الإسرائيلي

مشروع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يزال يراوح مكانه، خاصة في ظل استمرار الاستيطان، والموقف الإسرائيلي الذي يهدد الحل القائم على وجود دولتين. هل ما زال من المعقول حسب رأيكم إحياء هذا المشروع، وما هو الدور الذي يمكن لفرنسا أن تلعبه في هذا السياق؟

إن موقف فرنسا من النزاع الإسرائيلي الفلسطيني واضح. إن أمن إسرائيل أمر ضروري، وكذلك الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. وهذا هو السبب في أن فرنسا تؤيد بقوة الحل القائم على وجود دولتين وتطبيق القانون الدولي الذي يجعل الاستيطان غير الشرعي محل شك. نريد أن تعيش كل من الدولتين، إسرائيل وفلسطين، جنباً إلى جنب في سلام وأمن. ونحن ندين جميع أشكال العنف، وندعو إلى التهدئة والحوار.

لقد نقلت هذه الرسائل إلى الرئيس محمود عباس، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عندما التقيت بهما في شهري يونيو ويوليو الماضيين في باريس، كما أبلغتهما برسالة أخرى، أنه لن يكون هناك سلام من دون مفاوضات حقيقية.

ومن الضروري استئناف محادثات السلام. وكل الجهود التي تبذل في اتجاه حل هذا النزاع جديرة بالثناء، ولكن من الضروري إحراز تقدم لأن كل يوم يمضي يجعل حل الدولتين أكثر صعوبة.

العلاقات مع إيران

هل يمكن أن نقول، إن ثمة تباعداً بين الموقف الأميركي والموقف الأوروبي بشأن العلاقات مع إيران، خصوصاً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجيته الجديدة بشأن التعامل مع طهران، وما يثار حول إعادة النظر المحتملة في الاتفاق النووي مع إيران؟

لطالما كان موقف فرنسا متسقاً وهو: اعتماد صرامة قصوى عند التفاوض بشأن الاتفاق النووي للحصول على النص الأكثر طموحاً، ودعم هذا الاتفاق حالما يعتمده مجلس الأمن، إلى حين يتم التأكيد من طرف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تفي بالتزاماتها.

اليوم، ليس هناك بديل عن هذا الاتفاق الذي يسمح بتأطير البرنامج النووي الإيراني. لنأخذ كوريا الشمالية على سبيل المثال. فلقد سمح غياب إطار قانوني دولي لهذا البلد بأن يطور قدراته النووية. يجب ألا نكرر الخطأ نفسه. وفي الوقت نفسه، من المهم أن نظل حازمين مع إيران فيما يتعلق بأنشطتها الإقليمية وبرنامجها في مجال القذائف التسيارية.

نحن بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى منطقة يعمها السلام، وإلى فاعلين إقليميين مسؤولين يعملون من أجل استقرار الشرق الأوسط. فتح جبهة إضافية لن يؤدي إلا إلى تفاقم التوترات، وزيادة زعزعة استقرار هذه المنطقة.

بعدما قرر البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي ظل الاضطراب الراهن في إسبانيا حول مصير إقليم كتالونيا، وارتفاع صوت الأحزاب «اليمينية» المتشددة المعادية لفكرة الوحدة الأوروبية. هل يمثل ذلك تهديداً على الاتحاد الأوروبي؟ وهل ستتمكن بروكسل من تخطي الأزمة والمضي قدماً في عملية التكامل الأوروبي؟

لن أضع كل هذه الظواهر على المستوى نفسه، فإن الأزمة في كتالونيا تمثل مسألة سياسية داخلية، والأمر كذلك إلى حد ما بالنسبة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي يعكس جزئياً ديناميات خاصة بالمملكة المتحدة. في المقابل، فإن صعود الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي من اليمين المتشدد، واليسار المتشدد على حد سواء، هو في الواقع ظاهرة أوروبية تهدد بناء أوروبا.

وفي مواجهة هذا التهديد، كثيراً ما كنا نخشى الحديث عن أوروبا. كان عدم التطرّق لهذه المناقشة الخطيرة أكثر راحة من مواجهتها. وبذلك، وصلنا إلى وضع كان فيه المتحدثون الوحيدون عن أوروبا هم أولئك الذين يريدون تفكيكها.

لذلك لا بد أن يركز النقاش على الإجابات التي يمكن أن توفرها أوروبا للأزمات التي نعانيها على الصعيد الأوروبي. لقد أحرزت أوروبا تقدماً مؤخراً، على سبيل المثال، مع تنقيح التوجيه المعني بالعمال المنتدبين، والذي يهدف إلى الحفاظ على تنقل اليد العاملة، ولكن في إطار عادل ومنصف. وسيتم قريباً إحراز المزيد من التقدم في تعزيز آلياتنا لحماية التجارة، والنظم الضريبية الرقمية، مروراً بدورة «أوروبا الدفاع»، أو تعزيز منطقة اليورو.

ليس هناك مجال للتسليم أو للتشكك أو التراجع، فإن أوروبا تحتاج إلى رؤية طويلة المدى وذات فعالية فورية. هناك سبيل واحد فقط لتحقيق ذلك وهو: العمل والإقناع والإصلاح. الاتفاق بشأن العمال المنتدبين يبرهن أن ذلك ممكن، وسوف نستمر.

ما هو وضع العلاقات مع أفريقيا - العلاقات التي لطالما وُصفت بالتاريخية؟

إن العلاقات بين فرنسا والقارة الأفريقية وطيدة وذات طابع خاص، وهي ثمرة تاريخ مشترك.
ولو كانت هذه العلاقات قديمة، فإنها تتطلع أيضاً إلى المستقبل. إن أفريقيا وفرنسا، وأوروبا على نطاق أوسع، لها مصير مرتبط. نحن نواجه معاً تحديات مشتركة مثل: التربية والتعليم العالي والنمو الاقتصادي والابتكار ومكافحة الاحترار العالمي والتنمية المستدامة. هذه هي القضايا التي تغذي علاقاتنا اليوم، وذلك بالتأكيد إلى جانب جهودنا المشتركة في مكافحة الإرهاب. ومنذ أن توليت منصبي، كنت قد ذهبت إلى مالي مرتين لدعم نشر القوة المشتركة، مجموعة دول الساحل الخمس. ويعتبر نجاحها التزاماً جماعياً في كفاحنا ضد الإرهاب.

وسأعود قريباً إلى أفريقيا.

JPEG

لتحميل كامل المقال تفضل بالضغط هنا

publié le 14/11/2017

haut de la page